ابن كثير

396

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

يقول تعالى مسليا لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وكما قال لك هؤلاء المشركون قال المكذبون الأولون لرسلهم : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ قال اللّه عز وجل : أَ تَواصَوْا بِهِ ؟ أي أوصى بعضهم بعضا بهذه المقالة بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أي لكن هم قوم طغاة تشابهت قلوبهم ، فقال متأخرهم كما قال متقدمهم . قال اللّه تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ أي فأعرض عنهم يا محمد فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ يعني فما نلومك على ذلك وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أي إنما تنتفع بها القلوب المؤمنة ، ثم قال جل جلاله : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي إنما خلقتهم لآمرهم بعبادتي لا لاحتياجي إليهم . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي إلا ليقروا بعبادتي طوعا أو كرها . وهذا اختيار ابن جرير « 1 » وقال ابن جريج : إلا ليعرفون ، وقال الربيع بن أنس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ أي إلا للعبادة ، وقال السدي : من العبادة ما ينفع ومنها ما لا ينفع وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ * هذا منهم عبادة وليس ينفعهم مع الشرك ، وقال الضحاك : المراد بذلك المؤمنون . وقوله تعالى : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ قال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا يحيى بن آدم وأبو سعيد قالا : حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال : أقرأني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إني لأنا الرزاق ذو القوة المتين » « 3 » ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث إسرائيل ، وقال الترمذي : حسن صحيح . ومعنى الآية أنه تبارك وتعالى خلق العباد ليعبدوه وحده لا شريك له فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء ، ومن عصاه عذبه أشد العذاب . وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم . فهو خالقهم ورازقهم . قال الإمام أحمد « 4 » : حدثنا محمد بن عبد اللّه ، حدثنا عمران - يعني ابن زائدة بن نشيط عن أبيه عن أبي خالد - هو الوالبي - عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال اللّه تعالى - « يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى وأسد فقرك ، وإلا تفعل ملأت صدرك شغلا ولم أسد

--> ( 1 ) المسند 1 / 394 . ( 2 ) أخرجه البخاري في التوحيد ، باب 3 ، وأبو داود في الحروف باب 25 ، والترمذي في القرآن باب 6 . ( 3 ) . 2 / 358 . ( 4 ) . 2 / 358 .